السيد كمال الحيدري

411

اللباب في تفسير الكتاب

أما الأولى : فهي التي يتنعّم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور ، فيوجدون بها ويرزقون بها في أوّل وجودهم ثم في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء . وأما الثانية : فهي العطية الإلهيّة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية ، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده ، من حياة طيّبة في الدنيا ورضوان في الآخرة ، ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين . بناءً على ذلك فليس المراد من النعمة التي أنعم الله بها على أصحاب الصراط المستقيم ، هي النعمة العامّة التي يشترك فيها المغضوب عليهم والضالّون أيضاً ، وإنّما هي النعمة الخاصّة التي يستحقّ بها العبد مقامات القرب الإلهى ؛ وذلك بقرينة المقابلة بينهما . الخامسة : الولاية الإلهيّة أعظم مصاديق النعم ذكرنا أنّ هذه الأشياء المعدودة نعماً إلهيّة ، كالسمع والبصر وسائر الجوارح والصحّة والعافية والطيّبات من الرزق من النعم الظاهرة للحسّ ، وكذا الشعور والإرادة والعقل ونحوها الغائبة عن الحسّ ، إنّما تكون كذلك إذا وافقت الغرض الذي من أجله خُلِقَ الإنسان ، فإنّها إنّما أوجدت لتكون عوناً للإنسان يتصرّف بها للوصول إلى سعادته الحقيقيّة ، وهى القرب منه سبحانه بالعبوديّة المحضة . فكلّ ما تصرّف فيه الإنسان للسلوك به إلى حضرة القرب من الله وابتغاء مرضاته والوصول إلى رضوانه ، فهو نعمة ، وإن انعكس الأمر عاد نقمة في حقّه ، ولذا نجد أنّه تعالى وصف كثيراً من هذه النعم بأوصاف مذمومة فقال : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( آل عمران : 178 ) وقال : ( لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) ( آل عمران :